هل فقدنا قدرة أنوفنا على تمييز الروائح في عالم مُعَقّد روائحه؟
تُشير الدراسات الحديثة إلى أن العالم لم يصبح أقل روائح، بل لقد فقدنا نحن القدرة على تمييزها وفهمها. وسط تلوث الهواء، والجائحة، ونمط حياتنا السريع، تراجعت مهاراتنا الحسية فيما يتعلق بالشم، وأصبح الاعتماد على حاسة الشم أقل وضوحًا، ما أدى إلى حالة من التشويش الحسي.
عالم معقّد بروائح غير مرئية
يحيط بنا اليوم عدد هائل ومتنوع من الروائح، تتراوح بين الروائح الطبيعية وروائح التلوث الصناعية مثل رائحة كبريتيد الهيدروجين التي تنبعث من المصانع ومكبات النفايات. رغم شدة هذه الروائح وأضرارها الصحية، فإنها قد تسبب فقداناً انتقائياً لحاسة الشم، خصوصًا عندما تكون خفيفة أو غير واضحة. وبذلك تصبح هذه الغازات كامنة في أجوائنا، تشكل خطراً أكبر لأنها غير مدركة بسهولة من قبلنا.
ضعف استخدام حاسة الشم في الحياة اليومية
يُعزى قلة استخدامنا لحاسة الشم في حياتنا المعاصرة إلى عدة عوامل:
- الاعتماد على التكنولوجيا مثل التغليف بالسيليفان والتبريد في حفظ الطعام، ما جعَل استخدام حاسة الشم في التمييز بين الطازج والفاسد أقل أهمية.
اختفاء العادات القديمة التي كانت تعتمد على الشم لتقييم حالة الأطعمة، وهو ما أدى إلى ضعف ما يمكن تسميته بـ”المعرفة الأنفية”.
اللبس بين مصطلحات “تاريخ الانتهاء” الذي يختص بالسلامة، و”تاريخ الأفضلية” الذي يشير إلى الجودة، ما يدفع المستهلكين إما إلى الاعتماد المفرط على الشم أو تجاهله مما قد يسبب هدرًا في الطعام أو ممارسات غير آمنة.
تراجع قيمة حاسة الشم اجتماعياً وثقافياً
تُظهر استطلاعات حديثة أنّ الكثير من الشباب يفضلون التخلي عن حاسة الشم بدلًا من التخلي عن هواتفهم المحمولة أو عن مظهرهم، ما يعكس انخفاض التقدير لهذه الحاسة الأساسية.
كما أن التربية المدرسية تتجاهل تعليم الأطفال قيمة حاسة الشم، ويُنظر إلى الروائح في المدارس غالبًا على أنها علامات على عدم النظافة، مما يغرس فكرة استبعاد من تظهر عليهم روائح مختلفة.
حلقة مفرغة بين جهل الروائح وعدم استخدامها
بحسب الأبحاث، نحن عالقون في دورة حيث يؤدي الجهل بحاسة الشم إلى التقليل من استخدامها، مما يساهم في تفاقم مستوى سوء الفهم الروائحي لدينا، ويجعل العالم المحيط بنا أقل تعريفًا عن طريق أنوفنا.
ذكريات الروائح وأثرها العاطفي
ومن جهة أخرى، يعيد الناس عبر سرد ذكرياتهم الروائح إلى الحياة، فتتشكل لديهم صور عاطفية مليئة بالتفاصيل الدقيقة والحميمية عن أماكن وأزمنة مختلفة، مثل رائحة مدفأة الفحم، أو عطر المحلات القديمة، أو رائحة الكتب والمجلات، وحتى الروائح المرتبطة بعادات وأشخاص من الماضي.
تلك الذكريات تشكل أرشيفاً شخصياً من الروائح، تعكس تغير البيئة وتاريخ أجيال، وتثبت أن الروائح ما زالت حية في ذاكرتنا، رغم ما لبست عليه من غموض في الحاضر.
آمال في استعادة الوعي بالشم
الأحداث الأخيرة مثل جائحة كورونا التي أثرت على حاسة الشم لدى الكثيرين، زادت من الاهتمام بالتجارب الحسية للروائح وأهمية هذه الحاسة. كما بدأت متاحف وأماكن جذب سياحي في دمج الروائح ضمن تجاربها، لتعزيز التواصل الحسي مع الجمهور.
على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر مجتمعات تشارك اهتماماتها بالعطور والروائح المختلفة، ما يفتح نافذة جديدة لإعادة قيمة “المعرفة الأنفية” في عصر تتحكم فيه التكنولوجيا.
هل يمكننا استعادة أنوفنا؟
تشير التحليلات إلى أن العودة إلى ممارسة الشم والانتباه للروائح في بيئتنا قد تكون وسيلة للتغلب على الارتباك الحسي الراهن. تعلّم الأطفال كيفية التعرف على الروائح المختلفة يحتاج إلى دعم ثقافي وتربوي، ما قد يساعد على بناء وعي أكبر وحساسية أشد تجاه العالم الروائي المعقد من حولنا.
فهم تاريخ الروائح وكيف تغيرت مع الزمن يُعد خطوة أساسية نحو إعداد أنوفنا لمواجهة تحديات المستقبل البيئي وتنظيم التعايش مع تنوع الروائح في مدننا ومحيطنا الطبيعي.
المصدر: Big Think
اكتشاف المزيد من Mohdbali
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



