آباء يقضون ثلاثة أضعاف الوقت مع أطفالهم مقارنةً بخمسين سنة مضت
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظًا في دور الأبومة، حيث بات الآباء اليوم يشاركون بشكل أعمق وأكبر في رعاية أطفالهم. مقارنةً بعام 1965، حيث كان الأب يقضي حوالي 16 دقيقة يوميًا في العناية بأطفاله، تشير الدراسات الحديثة إلى أن الآباء يقضون الآن أكثر من ساعة يوميًا في هذا الدور الحيوي، وهو ما يعكس تغيرات اجتماعية وثقافية جذرية في مفهوم الأبوة.
تطور دور الأب في الرعاية اليومية
لم يعد الأب اليوم مجرد “الوالد الملهِي” أو المزود الأساسي، بل أصبح شريكًا نشطًا في المهام اليومية مثل التغذية، والملبس، والاستحمام. هذا التغيير يعكس مشاركة أكبر في التفاصيل الحياتية للأطفال، خصوصًا في السنوات الأولى من عمر الطفل.
- زيادة الوقت الذي يمضيه الآباء في رعاية الأطفال، خاصةً الصغار.
- تحول في أنماط الأنشطة اليومية التي يشارك فيها الأب.
- تقدير متزايد للأبوة كأولوية ذات معنى في حياة الرجال.
الأسس الثقافية والاجتماعية لهذا التحول
تشير الباحثة داربي ساكسبي من جامعة جنوب كاليفورنيا إلى أن الثورة الاجتماعية التي بدأت بدخول النساء العريض إلى سوق العمل كانت من العوامل المحفزة لهذا التغير. كما لعبت جائحة كورونا دورًا مهمًا، حيث ألزم الحجر المنزلي العديد من الآباء بالبقاء في البيت لفترات طويلة، مما عزز من علاقاتهم بأطفالهم، وأسهم في استمرار وتزايد هذا الارتباط بعد انتهاء الجائحة.
كما توضح الدراسات التاريخية أن تقسيم الأدوار التقليدي بين الأمهات والآباء هو ظاهرة حديثة نسبيًا، ارتبطت بشكل كبير بالثورة الصناعية، بينما كانت المجتمعات السابقة تعتمد على المشاركة الأبوية الفاعلة في تربية الأطفال، خصوصًا في المجتمعات البدائية والمزارع العائلية.
التحولات العصبية والهرمونية في دماغ الأب
تترافق زيادة مشاركة الأب في رعاية الطفل مع تغييرات ملحوظة في تركيب الدماغ ومستويات الهرمونات. تبين أن الأب يتعرض لانخفاض بسيط في حجم بعض مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف وفهم الطرف الآخر، ما يعكس زيادة قدرة الأب على التواصل العاطفي مع طفله.
كما أن انخفاض هرمون التستوستيرون في الأبوة المبكرة ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا، بل يمثل تكيّفًا بيولوجيًا يوجه الأب نحو الأدوار الحاضنة والعناية بدلاً من التركيز على التنافس والخصوبة. هذا التغيير الهرموني والدماغي بشّر بقدرة الرجال على تطوير مهارات الأمومة، مثل التعاطف والقدرة على الفهم النفسي للأطفال.
التحديات النفسية والصحية للأبوة الجديدة
رغم المتعة والمعنى الذي يجده الآباء في دورهم الجديد، فإن الأبوة تترافق مع ضغوطات نفسية كبيرة، من بينها ارتفاع خطر الإصابة بالاكتئاب في فترة ما بعد الولادة، والذي قد يكون ضعف ما هو شائع في الرجال بشكل عام.
ويشير الباحثون إلى أن أعراض الاكتئاب عند الآباء قد تظهر بشكل مختلف عن الأمهات، فقد تتجسد في الانفعال الزائد أو الانعزال أو التركيز المفرط على العمل، ما يتطلب وعيًا أكبر من المجتمع لتقديم دعم نفسي واجتماعي فعال.
تغيير النظرة الاجتماعية والدعم المؤسسي
رغم التطور الإيجابي في مشاركة الآباء، إلا أن التوقعات الاجتماعية لطبيعة الدور الأبوي لم تتغير بنفس السرعة. لا تزال الموازين التي يتم من خلالها تقييم مساهمة الآباء في رعاية الأطفال تختلف بين شركاء الحياة، وتتداخل مع الأفكار التقليدية حول الرجولة والنجاح المهني.
في أماكن مثل الولايات المتحدة، تفتقر معظم الشركات إلى سياسات مدفوعة الأجر للأبوة، ويخشى كثير من الآباء من تبعات استغلال إجازات الأبوة على مسيرتهم المهنية. بالمقابل، تقدم دول مثل فنلندا والسويد نماذج ملهمة عبر سياسات تشجع الآباء على أخذ إجازات خاصة بهم، مما يعزز من دورهم الاجتماعي والأسرى.
أهمية بناء مجتمعات داعمة
يشير الباحثون إلى أن «العزلة» تشكل تحديًا هامًا للآباء الجدد، حيث أن مفهوم تربية الأطفال في «العوائل النيوكليرية» المنعزلة ليس طبيعيًا تطوريًا، بل نحن كائنات اجتماعية تتطلب بيئات تعاونية.
تظهر مبادرات مثل «Daddy Stroller Social Club» في الولايات المتحدة توجهًا جديدًا لمساعد الآباء على تكوين شبكات دعم ومشاركة خبراتهم، وهو أمر يعزز الصحة النفسية ويرسخ حضور الأبوة بشكل إيجابي في المجتمع.
اختلافات ثقافية في مفهوم الأبوة
الأبوة ليست نموذجًا واحدًا؛ فهي مختلفة بين المجتمعات:
- في بعض المجتمعات مثل قبائل Aka، يلعب الأب دورًا فعالاً ورئيسيًا في رعاية الطفل.
- في مجتمعات أخرى، تمنع القواعد الاجتماعية أو الدينية مشاركة الأب بشكل مباشر في العناية بالطفل خلال السنة الأولى.
هذه الاختلافات تعكس تعدد الأدوار الأبوي في سياقات اجتماعية وثقافية متباينة، ويوضح أن لا وجود لدور “طبيعي” واحد، بل هناك تفاوتات عديدة في ممارسات الأبوة وإدراكها.
الآباء العازبون والآباء من نفس الجنس
فيما يظل البحث العلمي محدودًا في دراسة الأبوة من زوايا مثل الآباء العازبين أو الآباء المثليين، تشير الدراسات المتوفرة إلى أن الدور الأبوي يرتبط بشكل أساسي بالتفاعل والممارسة، وليس فقط بالأصل البيولوجي أو الهرموني، وذلك يؤكد ان الدماغ يحدث فيه تغييرات تبعًا لدور الرعاية الذي يتبناه الأب.
الأبوة مهارة تتعلم ولا تولد معها
أبرز استنتاجات البحث هو أن الأبوين الجيدين لا يولدون فقط، بل يبنون وفق الخبرة والاهتمام. فالدماغ يتغير ويتكيف مع الأدوار الجديدة التي يكتسبها الأب، ويتطور لديه تعاطف ومهارات اجتماعية تسمح له بأن يكون أكثر قربًا وفعالية في رعاية أطفاله.
موقف المجتمعات اليوم
لكي ينجح هذا التحول، لا بد من وجود دعم سياسي واجتماعي مناسب، يشمل إجازات أبوة مدفوعة الأجر، بنى تحتية اجتماعية لتقليل العزلة، وتغيير الثقافة التي تربط الرجولة بالدخل والصلابة فقط، لتمكين الآباء من احتضان أدوارهم بفعالية ومتعة.
المصدر: Big Think Conversations
اكتشاف المزيد من Mohdbali
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




