نزاعات البناء في الأمريكتين: تحديات النطاق تفوق الزمن والتكاليف في الهندسة الإنشائية
النزاعات الإنشائية في الأمريكتين: تركيز أكبر على نطاق الأعمال أكثر من الوقت والتكلفة
تستمر قضايا النزاعات في قطاع البناء في الأمريكتين بالتركيز بشكل رئيسي على التغيرات في نطاق العمل (change in scope)، متجاوزة بوضوح النزاعات المتعلقة بالجدول الزمني أو التكاليف المالية، وفقًا لتقرير CRUX Insight السنوي الثامن الصادر عن شركة HKA الاستشارية المتخصصة في تخفيف مخاطر المشاريع الإنشائية. يُعد هذا الاتجاه مؤشرًا مهمًا لفهم الديناميكيات الحالية التي تؤثر على إدارة المشاريع المدنية والإنشائية في المنطقة، والتي تضم أكثر من 20 دولة ونحو 703 مشروعًا بمبلغ استثماري متوسط يصل إلى 639 مليون دولار.
النزاعات وأسبابها في مشاريع البناء بالأمريكيتين
تُظهر الدراسة أن أكثر من ربع المشاريع التي شهدت نزاعات تعرضت لمشكلات ناجمة عن تغييرات في نطاق العمل (25.7%)، مقارنة بمعدل عالمي أعلى يبلغ 38.8%. ويأتي ذلك في ظل اهتمام متزايد بمتطلبات واحتياجات أصحاب المشاريع، والتي قد تطرأ أثناء مراحل التنفيذ، ما يسبب تجاوزًا للحدود المتفق عليها في العقود الأصلية. هذا النوع من النزاعات يتركز في تعديل المهام، إضافة الأعمال، أو تغيير التفاصيل التصميمية التي لم تكن محسوبة في البداية.
في المقابل، رغم أن النزاعات المتعلقة بالأداء والمهارة في التنفيذ أو ما يُعرف بـ deficiencies in workmanship تفوق المعدل العالمي في المنطقة، حيث بلغت نسبتها 20.5% مقابل 16.1% عالميًا، مما يعكس تحديات جودة الأعمال التي يتعرض لها القطاع المدني في الأمريكتين، والتي تتطلب اهتمامًا أكبر بتحسين معايير التنفيذ والرقابة على جودة المواد وعملية البناء. ويُلاحَظ أن الولايات المتحدة وكندا سجلتا نسبًا أعلى قليلاً تصل إلى 20.6% و21.4% على التوالي في قضايا جودة الأعمال.
أما بالنسبة للمشكلات المرتبطة بالأخطاء في التصميم (incorrect design)، فقد جاءت نسبتها في الأمريكتين أقل مقارنة بالمعدلات العالمية، حيث أثرت على 18.3% من نزاعات المشاريع مقابل 21.7% عالميًا. كذلك كانت النزاعات المرتبطة بالتصميم غير المكتمل (incomplete design) أقل في المنطقة بنسبة 16.8% مقابل 19.1% عالميًا، مما يشير إلى تحسن نسبي في إدارة الجوانب التصميمية وأهمية التوثيق والتنسيق في مرحلة ما قبل التنفيذ.
وفيما يخص الظروف الفيزيائية غير المتوقعة (unforeseen physical conditions)، وقعت النزاعات على نحو 17.4% من المشاريع في الأمريكتين، مرتفعة عن المتوسط العالمي البالغ 14.7%. هذه الظاهرة تلقي الضوء على أهمية إجراء دراسات جيوتقنية دقيقة وفحوصات ميدانية مجدية قبل بدء العمل للحد من المفاجآت في الموقع والتي قد تؤثر على الجدول الزمني والتكاليف.
الأداء المالي والجدول الزمني: تحسن ملحوظ في الأمريكتين
برغم كثرة النزاعات المتعلقة بنطاق العمل وجودة التنفيذ، أظهر قطاع البناء في الأمريكتين مؤشرات إيجابية فيما يتعلق بالالتزام بالميزانية والجدول الزمني مقارنة بوضع المشاريع عالميًا. فمن ناحية الوقت، كانت نسبة مدّ مدد الوقت المطالب بها في النزاعات تمثل 57.5% من الجدول الأصلي، أقل من المعدل العالمي البالغ 69.6%. هذا يدل على تحسن في إدارة الجدول الزمني والقدرة على تقليل التأخيرات حتى مع وجود النزاعات.
وكذلك الحال بالنسبة للتكاليف، تجاوزت التجاوزات الفعلية الميزانية بنسبة 31.1% في الأمريكتين، مقارنةً بمعدل عالمي بلغ 34.7%. هذا يشير إلى فعالية نسبية أكبر في الرقابة المالية والإشراف على المصروفات مقارنة ببقية مناطق العالم. كما أن التقرير أشار إلى انخفاض ملحوظ في حدة النزاعات المتعلقة بالجدول الزمني والتكلفة في المشاريع التي بدأت بعد عام 2020، حيث انخفضت مطالبات تمديد الوقت من 60.2% إلى 44.2%، ومطالبات تجاوز التكاليف إلى 26.8%.
تلك التطورات الإيجابية قد تعكس تحسينات مستمرة في project controls، وهو ما يشير إلى تبني ممارسات أكثر حزماً في مراقبة وتحديث خطط العمل ومتابعة التنفيذ، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بالأداء المالي والتأخيرات.
التحولات النوعية في أسباب النزاعات
وقد لاحظ الخبراء، كما أشارت كيمبرلي ريام (Kimberly Reome)، خبيرة المحاسبة الجنائية والكمية في HKA، أن النزاعات التقليدية مثل تلك المرتبطة بنطاق العمل وقضايا التصميم بدأت تتناقص تدريجيًا منذ عام 2020، بينما ازدادت النزاعات المالية، خاصة المتعلقة بالمدفوعات وتدفقات السيولة. ويُرجع ذلك جزئيًا إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه القطاع حالياً، حيث أدت الضغوط الناتجة عن التضخم والقيود المستمرة في سلاسل التوريد إلى زيادة النزاعات المالية والميزة التي قد تسبب تأخيرات أو زيادات في الكلفة.
تجدر الإشارة إلى أن النزاعات المالية وتدفقات المدفوعات تتسارع في جميع أحجام المشاريع مما يُشير إلى تغير مهم في ديناميكية إدارة العقود وسير المشاريع المدنية، ما يتطلب تطوير آليات مالية مرنة وتقنيات إدارة مالية متطورة لضمان استمرارية التدفق النقدي والتقليل من النزاعات المرتبطة به.
أثر المتغيرات الخارجية على النزاعات الإنشائية
تستعرض الدراسة أيضًا دور المتغيرات الخارجية كعوامل مفاقمة للنزاعات، مثل جائحة كوفيد-19، الصراعات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار السلع الأساسية. كلها تعتبر external shocks تؤثر على استقرار المشاريع المدنية بشكل كبير. كما أُشير إلى أهمية مراعاة التغيرات في السياسات التجارية، كالرسوم الجمركية التي يفرضها بعض الدول، وتأثيرها المحتمل على تكاليف المواد واستمرارية المشروع.
هذا يستدعي من المهندسين المدنيين والمخططين الإنشائيين إعادة التفكير في contract structures التي ينبغي أن تتسم بالمرونة بما يسمح بالتعامل مع تقلبات السوق والظروف الطارئة، مع الحرص على تضمين بنود واضحة لإدارة التغييرات الطارئة والظروف غير المتوقعة.
التحديات المستقبلية والفرص الناشئة
من منظور مستقبلي، تتجه صناعة البناء في الأمريكتين نحو مواجهة تحديات جديدة تتطلب تطوير أساليب العمل والتعاقد، مثل إدخال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي (AI) التي بالرغم من كونها “game changer”، إلا أنها تحمل مخاطر خاصة إذا لم تُدمج بشكل متوافق مع ثقافة العمل القائمة.
علاوة على ذلك، هناك حاجة إلى انتقال نوعي نحو نماذج تعاقد تعاونية أكثر شمولًا، تتطلب تغييرات جذرية في طريقة التفاعل بين الفرق المختلفة في المشاريع، والتي قد تواجه صعوبات بسبب نقص المهارات المتخصصة في السوق وصعوبة سد الفجوات المهنية.
أخيرًا، تُطرح تحديات متعلقة باللوائح والتنظيمات المتغيرة، خاصة تلك المتعلقة بالمعايير البيئية وقوانين المدفوعات والممارسات المالية، ما سيزيد الضغط على فرق الإدارة الهندسية للامتثال وتحقيق التوازن بين الكفاءة والالتزام القانوني.
الخلاصة
يُبرز التقرير أن النزاعات الإنشائية في أمريكا لاتزال تتركز في الأساس على نطاق الأعمال والاختلاف في مدى تنفيذ المشروع مقارنة بالعقود الأصلية، مع تزايد ملحوظ في النزاعات المتعلقة بجودة التنفيذ والتمويل، في حين أن السيطرة على الوقت والتكلفة أعطت نتائج أفضل مقارنة بالمواقع العالمية الأخرى. إن هذا يستدعي من المهندسين المدنيين والمهنيين في مجال إدارة المشاريع تطوير مهاراتهم في إدارة التغييرات، تعزيز معايير الجودة، وابتكار طرق مرنة في تصميم العقود تضمن توازنًا بين متطلبات العملاء والقدرة التنفيذية، وكذلك الاستعداد للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية والقانونية المتوقعة.
التركيز على تلك الجوانب سيُحدث فرقًا جوهريًا في تقليل النزاعات وتحسين فرص نجاح المشاريع المدنية والإنشائية، مما ينعكس إيجابيًا على تجاوز التحديات المستمرة التي يشهدها قطاع البناء في الأمريكتين.