هل تملك تحكّمًا أكبر في الواقع مما تظن؟
يرى خبراء علم النفس أن الواقع الذي نعيشه ليس ثابتًا كما نعتقد. فحتى أبسط الأمور، مثل رؤية لون وردة حمراء، تعتمد على تفاعل معقد بين الضوء، وعين الإنسان، والدماغ. هذا التفاعل يفتح الباب أمام فكرة أن لكل فرد رؤية خاصة للعالم، مما يمنحنا قدرة غير متوقعة على تشكيل واقعنا وتحمل مسؤولية تجاربنا.
العالم كما نراه: هل هو موحد أم متعدد الرؤى؟
توضح أستاذة علم النفس بكلية Northeastern University، ليزا فيلدمان باريت، أن اللون الذي نراه ليس خاصية ثابتة للشيء نفسه، بل هو ناتج عن علاقة بين خصائص الشيء والكيفية التي تتفاعل بها مستقبلات العين مع الضوء، وأن الدماغ يعالج هذه الإشارات ليُكوّن الصور التي نراها.
لذلك، تختلف رؤية الألوان باختلاف الكائنات الحية. فمثلاً، يمتلك الإنسان عادة ثلاثة أنواع من مستقبلات الألوان في العين، بينما تمتلك الكلاب نوعين فقط، ولهذا ترى الكلاب اللون الأحمر بطريقة مختلفة قد تبدو للبشر كدرجات بنية.
وهذا لا يقتصر على اختلاف الأنواع؛ حتى البشر الذين يفقدون نوعًا من هذه المستقبلات يُعتبرون “مكفوفي الألوان”، لكن ماذا لو كان لدينا أربعة أنواع من المستقبلات بدلًا من ثلاثة؟ هل سيُعتبر من يملكون ثلاثة وحدات مكفوفي ألوان في هذه الحالة؟
الفكرة الأساسية هنا أن ما نعتبره واقعًا “موضوعيًا” هو في الحقيقة توليفة بين العالم الخارجي وكيفية استقبالنا له. هذا يغيّر مفهومنا عن الحقيقة، ويمنح كل شخص حصته الخاصة من الواقع.
العواطف ليست ثابتة أيضاً
تقدم باريت مثالاً عن العواطف التي نعتقد أنها تعبيرات عالمية موحدة، مثل الغضب. إن تعابير الغضب، مثل العبوس، لا تحمل بالضرورة نفس المعنى عند الجميع أو في جميع الثقافات. ففي الثقافة الغربية، يعني العبوس الغضب فقط في حوالي ثلث الحالات، ما يعكس أن التعبير العاطفي مبني على توقعات وتجارب شخصية أكثر مما هو على تعبير بيولوجي ثابت.
وتشرح باريت كيف أن الطفل أثناء نشأته يتعلم ربط الأحداث أو التعبيرات العاطفية بتسميات معينة، مثل الربط بين البكاء والغضب، ما يشكل “صندوق الإدراك” الذهني الذي يؤثر في كيفية فهمه وتفاعله مع مشاعره والعالم من حوله.
كيف نسيطر على واقعنا؟
هذه الرؤية للعالم تدفعنا لإعادة التفكير في مفهوم السيطرة الذاتية. فبدلًا من مفهوم السيطرة التقليدية التي تتعلق بكبح الرغبة (مثل اختيار تفاحة بدلاً من رقائق البطاطس)، يمكن التحكم في واقعنا من خلال توسيع صندوق إدراكنا.
على سبيل المثال، إن تعلّم أنواع مختلفة من التفاح، ومحاولة فهم نكهاتها وصفاتها، يغير ذاكرتنا وتجاربنا السابقة، ومن ثم يُكيف طريقة اختياراتنا فيما بعد، مما يغير الواقع الذي نعيشه.
وبذلك، لا نتحكم فقط في تصرفاتنا، بل في طيف التجارب المتاحة لنا، مما يُفسّر كيف يمكن لتجاربنا وملاحظاتنا وتعلمنا أن يوسّع أو يحدّد الواقع الذي نختبره.
المسؤولية المشتركة وتأثيرنا على الآخرين
تزيد هذه الفكرة من حجم مسؤولياتنا، ليس فقط تجاه أنفسنا، بل تجاه من حولنا أيضًا. تقول باريت إن تصرفاتنا وتفاعلاتنا مع الآخرين يمكن أن تؤثر على مواقفهم وردود أفعالهم، مما يُذكر بمفهوم “الكارما” كمبدأ بسيط يعكس أن لكل فعل تبعة.
بعبارة أخرى، نحن لسنا فقط متلقين للواقع، بل مشاركون في صنعه وتأثيره، ومسؤولون عن كيفية التعامل معه بشكل مسؤول.
توسيع أفق الفكر عبر الأسئلة الغريبة
تُشجع هذه الفلسفة على التركيز على الأسئلة التي قد تبدو غريبة أو غير تقليدية، والتي تُحرك التفكير خارج إطار المألوف. فهي تدعو لإعادة النظر في قناعاتنا وتحريك رؤيتنا للعالم من زوايا مختلفة، مما يعزز نمو الإدراك ويفتح آفاقًا جديدة للتفاهم والحياة اليومية.
هذا النوع من التفكير ليس بعيدًا عن الثقافة العالمية التي تحتفي بالابتكار والتفكير الإبداعي، ويعكس التفاعل المعهود في المدن الكبرى والمهرجانات الثقافية التي تجمع بين الناس من خلفيات متنوعة.
خلاصة
لا يقتصر واقعنا على ما نراه أو نشعر به بشكل مباشر، بل هو نتاج علاقة مستمرة بين العالم الخارجي وعقولنا الداخلية. من خلال فهم هذه العلاقة المتشابكة، يمكننا توسيع سيطرتنا على تجاربنا، مما يعيد تعريف الحرية الشخصية والمسؤولية الاجتماعية في آنٍ واحد.
المصدر: Big Think
اكتشاف المزيد من Mohdbali
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




