اكتشاف علمي يفتح آفاقًا جديدة لإصلاح عضلات الشيخوخة
أعلن فريق بحثي ياباني عن اكتشاف جزيء واعد يمكن أن يعزز من قدرة الجسم على إصلاح العضلات المتآكلة بفعل التقدم في العمر. هذا الابتكار يرتكز على تقوية إشارة بيولوجية مهمة مرتبطة بتجديد الأنسجة العضلية، مما قد يفتح آفاقًا جديدة لمكافحة فقدان العضلات المرتبط بالشيخوخة.
تدهور العضلات مع التقدم في العمر
تبدأ العضلات الهيكلية، التي تربط العظام وتسمح بالحركة والإمساك بالأشياء والحفاظ على التوازن، بفقدان قوتها وقدرتها على التعافي بشكل مبكر خلال عملية الشيخوخة. مع مرور الوقت، قد تتراكم أنسجة ليفية دهنية في العضلات ويقل عدد الألياف المتخصصة المسؤولة عن الحركة السريعة والقوية، الأمر الذي يصعب أداء المهام اليومية ويحدّ من الحركة والاستقلالية.
رغم هذا، تمتلك العضلات قدرة فطرية على الإصلاح، تستند إلى خلايا جذعية متخصصة تعرف بالخلايا القمرية أو “satellite cells”، التي تبقى في حالة سكون حتى يتلقى الجسم إشارة تدفعها للانقسام والتمايز إلى خلايا عضلية للمساعدة في شفاء الأنسجة.
دور بروتين HGF في تنشيط إصلاح العضلات
يُعد بروتين النمو الكبدي المعروف بـ hepatocyte growth factor (HGF) عنصرًا حيويًا في تنشيط الخلايا القمرية. يخزن هذا البروتين في المادة الداعمة المحيطة بالألياف العضلية، ويُحرّر عند حدوث إصابة أو تنشيط ميكانيكي كالحركة أو التمدد.
يرتبط HGF بمستقبل يسمى c-met receptor على سطح الخلايا القمرية، مما ينشطها ويساعدها على التكاثر والتمايز لاستعادة العضلات التالفة. لكن نظام الإصلاح هذا يفقد كفاءته مع التقدم في العمر نتيجة تغيرات كيميائية تؤثر على البروتين.
التغير الكيميائي والتأثير على وظيفة HGF
كشف الباحثون أن بروتين HGF يتعرض لعملية تسمى nitration، حيث يُضاف مجموعة نيترو إلى مواقع معينة في البروتين، ما يعطل شكله وقدرته على الارتباط بمستقبل c-met. يتركز التأثير بشكل خاص عند موقعين هما Y198 وY250، مما يشبه استخدام مفتاح تالف لعق قفل.
هذا التغير لا يعني غياب HGF لدى كبار السن، بل يعني أن وظيفته الطبيعية تنخفض بسبب التحولات الكيميائية، ما يضعف تنشيط الخلايا القمرية وإصلاح العضلات، وقد يفسر جزئيًا فقدان القوة العضلية المرتبط بالعمر.
دراسة فعالية مركبات الكبريت المضادة للأكسدة
ركز الباحثون على مركبين من عائلة الترايسلفات ذات الخصائص المضادة للأكسدة، وهما glutathione trisulfide (GSSSG) وlipoic acid trisulfide (LASSS). تعمل مضادات الأكسدة على تقليل الضرر الكيميائي الناجم عن الجذور الحرة والجزيئات التفاعلية في الخلايا.
في التجارب المعملية، قللت المركبات من تأثير النترات في مواقع HGF الحساسة، لكنها لم تستعد كامل قدرة البروتين على الارتباط بالمستقبل c-met. لذلك، زاد الباحثون تركيز الترايسلفات مقابل HGF، فنتج عن ذلك تأثير مختلف وغير متوقع.
نشأة بروتين “سوبر HGF” بفضل LASSS
عند رفع تركيز LASSS، وجد العلماء تحسنًا كبيرًا في قدرة HGF على الارتباط بالمستقبل c-met، إذ تضاعفت القوة بزيادة تأثير البروتين على عملية إصلاح العضلات. علاوة على ذلك، أصبح البروتين أكثر مقاومة لفقدان وظيفته الناتج عن النترات، لا سيما عند موقع Y198.
يبدو أن LASSS لا يعمل فقط كمضاد للأكسدة، بل يعدل بشكل مباشر في بنية HGF ثلاثية الأبعاد، ما يمنحه الخاصية المعززة “سوبر HGF”، التي تنشط مستقبل c-met بشكل أقوى، وتحافظ على وظائف البروتين الحيوية.
نتائج واعدة في نماذج حية
لاقت التجارب المختبرية تأكيدًا أوليًا في حيوانات التجارب، حيث استخدم الباحثون نموذج الماوس مع تعليق الذيل لدراسة ضمور العضلات نتيجة عدم الاستخدام. الماوس التي تلقت LASSS قبل التجربة أظهرت انخفاضًا ملحوظًا في نترات HGF مقارنة بنظيرتها، ما يعكس قدرة المركب على الحماية من الضرر الكيميائي ضمن العضلات الحية.
لم يظهر مركب GSSSG نفس الفعالية في الدراسة الحية، مما يشير إلى خصوصية تأثير LASSS.
آفاق وتحديات مستقبلية
بالرغم من النتائج الأولية الواعدة، يشدد الباحثون على ضرورة إجراء دراسات إضافية تشمل حيوانات مسنة لتقييم تأثير LASSS على وظائف العضلات وقدرتها على التعافي بشكل كامل. لم تُثبت بعد فعالية «سوبر HGF» في تحسين قوة العضلات وتجديد كتلتها.
يرى الفريق البحثي إمكانية استخدام هذا المسار الطبيعي المُعزز بدلًا من استبدال آلية الإصلاح البيولوجية، ما قد يسهل تطوير علاجات تحفظ الوظيفة العضلية خلال الشيخوخة أو فترات عدم النشاط الطويلة.
كما تفتح هذه الاكتشافات فرصًا في مجال الطب البيطري، خصوصًا لرعاية حيوانات أليفة مسنة تعاني من ضعف العضلات.
خاتمة
يمثل اكتشاف «سوبر HGF» خطوة بالغة الأهمية في علم الأحياء الطبية، حيث يسلط الضوء على إمكانية تعزيز بروتينات الإصلاح الحيوية بطريقة قد تقلل من تأثيرات التقدم بالعمر على العضلات. يبقى تحدي إثبات السلامة والفعالية في دراسات مستقبلية، لكن هذا الاتجاه يقدم أملًا حقيقيًا للحفاظ على قدرة الحركة والاستقلالية مع تقدم العمر.
المصدر: Scientific Reports
اكتشاف المزيد من Mohdbali
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




