ابتكار ثوري في فصل النفط الخام دون الحاجة للتسخين
تمكنت فرق بحثية دولية من تطوير تقنية جديدة تعتمد على غشاء (membrane) بسيط وغير مكلف لفصل النفط الخام عند درجة حرارة الغرفة، مما يعد نقطة تحول كبيرة في عملية التكرير التي تعد من أكثر العمليات الصناعية استهلاكًا للطاقة. هذه الطريقة تعِد بتقليل نشاط المفاعلات الحرارية وتقليل التكاليف التشغيلية وكذلك خفض الانبعاثات الكربونية المصاحبة.
تقدم هذا الاكتشاف فريق بقيادة البروفيسور دونغ-يون كو من معهد كوريا المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST) بالتعاون مع فريق البروفيسور رايان لايفلي من “Georgia Tech”. وقد نشر الفريق نتائجهما في مجلة Nature العلمية المرموقة، ما يبرز الأهمية العلمية والتطبيقية للتقنية الجديدة.
التحديات التقليدية في تكرير النفط الخام
على مدى أكثر من قرن، اعتمدت مصافي النفط على تقنية التقطير الحراري التي تتطلب تسخين النفط إلى درجات حرارة تفوق 350 درجة مئوية. هذه العملية تحول أجزاء من النفط إلى بخار يتم تبريده لاحقًا لفصل مكونات النفط المختلفة.
ما يميز هذه الطريقة هو استهلاكها الهائل للطاقة، حيث تستهلك عمليات التقطير العالمية ما يقارب 1100 تيراواط/ساعة سنويًا – رقم يعادل إنتاج حوالي 130 محطة نووية بقدرة تقارب الغيغاواط الواحد لكل محطة. الأثر البيئي مرتبط بشكل مباشر بهذا الاستهلاك الضخم، مما يجعل البحث عن بدائل فعالة ضرورة ملحة.
البدائل التقنية والمشكلات السابقة
ظهرت تقنية الأغشية (membranes) كحل واعد لأنها توفر إمكانية الفصل دون الحاجة لدرجات حرارة مرتفعة، وبالتالي يمكن أن تقلل من استهلاك الطاقة والانبعاثات. لكن التطبيقات السابقة اعتمدت على أغشية معقدة مزودة بطبقات رقيقة دقيقة لتحقيق دقة الفصل المطلوبة.
هذه الطبقات المكلفة تواجه صعوبات تصنيعية تجعلها عرضة للعيوب وتحدّ من توسع استخدامها على نطاق صناعي واسع.
استخدام الأغشية البسيطة وميزة انسداد المسام
اختار فريق البحث نهجًا مبتكرًا مختلفًا: الاعتماد على غشاء بسيط مكوَّن من بولياكريلونيتريل (PAN)، وهو بوليمر مستقر كيميائيًا ورخيص يستخدم عادة كدعم في أنظمة الترشيح الصناعية.
في التجارب، لوحظ أن الجزيئات الثقيلة في النفط الخام تترسّب وتلتصق بجدران مسام الغشاء، ما يقلص حجمها تدريجيًا ليصل إلى فتحات أقل من 2 نانومتر. هذا الانسداد الطبيعي، عادة ما يُعتبر مشكلة (fouling) تقلل من فعالية الترشيح، كان في هذه الحالة السبب في إنشاء قنوات دقيقة تسمح بمرور المكونات الأخف مثل النافتا والغازولين والكيروسين بينما تمنع مرور المركبات الثقيلة.
كانت النتيجة نسب نفاذية (permeation) أعلى بحوالي 23 ضعفًا مقارنة بالأغشية السابقة، مع استقرار أداء يصل إلى 28 يومًا متواصلة.
مزایا التقنية وأثرها البيئي
- لا تتطلب هذه التقنية تغييرًا جذريًا في معدات المصافي؛ إذ يمكن تركيب الغشاء كنظام مرشح منفصل قبل عمليات التقطير التقليدية.
- تخفض الطاقة اللازمة لعمليات التكرير بنسبة تقارب 31.6%.
- تقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 37.6%.
- تخفض استهلاك مياه التبريد بنسبة 20.7%.
- تخفض التكاليف التشغيلية بنسبة 36%.
التقديرات تشير إلى أن تطبيق هذه التقنية في كوريا الجنوبية وحدها قد يمنع انبعاثات تعادل تلك الناتجة عن 4 ملايين سيارة تعمل بمحركات احتراق داخلي سنويًا، ما يعكس الفوائد البيئية المحتملة على نطاق واسع.
آفاق جديدة لتطبيقات تقنية الأغشية
على الرغم من تركيز الدراسة على النفط الخام، إلا أن التقنية قد تجد استخدامات مهمة في صناعات أخرى، مثل:
- معالجة زيت البيروليسيس الناتج عن تحلل النفايات البلاستيكية لإعادة التدوير.
- استعادة المذيبات المستخدمة في تصنيع البطاريات.
- تنقية المركبات الصيدلانية.
- تحسين إنتاج الوقود الحيوي.
يتيح هذا النهج استخدام السوائل المعقدة نفسها لتشكيل قنوات دقيقة داخل الأغشية، مما قد يحدث تحولًا في تصميم أغشية الفصل ليصبح أرخص وأكثر تنوعًا مقارنة بالأغشية المكسوة بطبقات معقدة الضرورية حاليًا.
خطوات نحو التطبيق العملي
يجري حاليًا العمل على تطوير إنتاج الأغشية على نطاق واسع وزيادة موثوقيتها في التشغيل الطويل الأمد لضمان ملاءمتها الصناعية. تُركز الأبحاث على التحكم الدقيق في ظاهرة انسداد المسام spontanous pore-constriction وتطبيقها عبر عمليات التكرير المتنوعة.
ويدفع الباحثون باتجاه توسيع نطاق التقنية لتشمل تطبيقات تحاكي أهداف الحياد الكربوني من خلال دعم عمليات التكرير وإدارة الموارد المستدامة.
هذا البحث مدعوم من وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية ضمن برامج للباحثين الموهوبين والمراكز الهندسية المتقدمة.
المصدر: موقع KAIST
اكتشاف المزيد من Mohdbali
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




