لغز طبي عمره 12,000 عام يُحل عبر تحليل الحمض النووي القديم 🌍✨
ملخص المقال:
تمكن فريق دولي من العلماء من كشف سر طبي قديم يعود إلى أكثر من 12,000 سنة، عبر فحص الحمض النووي القديم لأفراد مدفونين في جنوب إيطاليا. الدراسة أثبتت أن شخصين – على الأرجح أم وابنتها – كانا يعانيان من اضطراب جيني نادر يؤثر على النمو والعظام، وهو ما يؤكد أن أمراضًا وراثية نادرة كانت موجودة لدى البشر القدامى، ويكشف جهود مجتمعية في العصور الحجرية لدعم المصابين بهذه الحالات.
اكتشاف أثر جيني نادر من عصور ما قبل التاريخ 🧭
عندما يفكر الإنسان في حياة أسلافه منذ العصور الحجرية، تتبادر إلى الذهن قصص الصيد والمجتمعات البدائية. لكن العلماء الآن يكشفون جانبًا جديدًا من حياة البشر الأوائل من خلال علم الوراثة الحديث وتحليل الحمض النووي القديم (ancient DNA).
في جنوب إيطاليا، في موقع Grotta del Romito، عُثر على دفن مزدوج يُعتقد أنه يعود إلى أواخر العصر الحجري القديم (Upper Paleolithic)، جذب انتباه العلماء لسنوات بسبب وضعية الجثتين الغريبة والخصائص العظمية غير التقليدية لهما.
الدفن المزدوج: قصة أم وابنتها من العصر الجليدي 📸
تم دفن شخصين معًا في وضعية تعانق، إذ كان “Romito 2” الذي يبلغ طوله حوالي 110 سم، وهو قزمًا نسبيًا مع أذرع وأرجل قصيرة للغاية. أما “Romito 1″، وهي أكبر سنًا وأقصر طولًا من المتوسط لعصورها (حوالي 145 سم)، فقد كانت تُعتقد بأنها أنثى.
على مدار عقود، كان العلماء يتساءلون عن نوع العلاقة بينهما وعن سبب تباين الأطوال، وما إذا كان هناك اضطراب جيني يفسر هذه المظاهر البدنية غير الاعتيادية.
التحليل الجيني يكشف الحقيقة 👩🔬
بتقنيات جديدة وفريدة، استخرج العلماء الحمض النووي من أجزاء عظمية محفوظة جيدًا في الجماجم. النتائج كانت مذهلة:
- تبيّن أن الجثتين كانتا أنثى وأحدهما هي والدة الأخرى، ما يضع القصة في إطار عائلي واضح.
- شُخص لدى “Romito 2” وجود طفرتين في جين NPR2، وهو جين مهم في تطوير العظام، وهو سبب حدوث اضطراب يُعرف باسم Acromesomelic Dysplasia (Maroteaux type)، وهو حالة وراثية نادرة تسبب قصرًا شديدًا في الأطراف.
- أما الأم “Romito 1″، فكانت تحمل نسخة واحدة من هذا الجين المتغير، ما يفسر قصر قامتها المعتدل بالمقارنة مع ابنتها.
أهمية الاكتشاف في فهم الأمراض الجينية القديمة
هذه الدراسة لا تقتصر على حل لغز دفن قديم فحسب، بل تفتح نافذة لعالم جديد:
- وجود أمراض وراثية نادرة لدى عصور ما قبل التاريخ.
- إمكانية تتبع تطور وتوزع مثل هذه الطفرات الجينية على طول تاريخ البشرية.
- تعزز فكرة أن مشاكل صحية معقدة مثل اضطرابات النمو لم تكن حديثة العهد بل موجودة منذ آلاف السنين.
قال أحد الباحثين: “تحليل الحمض النووي القديم لا يساعدنا فقط في دراسة التاريخ البشري، بل يمكنه تأكيد وجود أمراض نادرة قدم ظهورها آلاف السنين”.
بُعد اجتماعي وإنساني في حياة البشر القدامى 🎭
وسط هذه التفاصيل التقنية، يظهر جانب إنساني مؤثر:
على الرغم من الإعاقة الواضحة، عاشت “Romito 2” إلى فترة المراهقة أو حتى البلوغ، الأمر الذي يشير إلى أن مجتمعها قدّم لها دعمًا مستمرًا.
الدعم الاجتماعي في بيئة طبيعية وعرة مثل جنوب إيطاليا خلال العصر الجليدي يشير إلى أن البشر الأوائل كانوا يعتنون بمصابيهم وليسوا فقط أفرادًا يعيشون للبقاء.
هذا الاكتشاف يلقي ضوءًا على تعاطف وتعاون البشر القدامى، وربما يشكل أول دليل علمي على رعاية صحية بدائية.
أهم النقاط التي تم التوصل إليها في الدراسة:
- جثتان من العصر الحجري القديم في جنوب إيطاليا هما على الأرجح أم وابنتها.
- التشخيص الجيني أظهر وجود اضطراب نادر في النمو والقامة مرتبط بجين NPR2.
- “Romito 2” تأثرت بالنسختين المتغيرتين من الجين مما أدى إلى قصر قامة شديد، بينما حملت الأم نسخة واحدة فقط مما جعل طولها أقصر من المتوسط قليلاً.
- بقاء “Romito 2” لفترة طويلة بالرغم من إعاقتها الجسدية يؤكد وجود دعم اجتماعي ومجتمعي.
- الدراسة تثبت أن الأمراض الوراثية ليست فقط من مشكلات العصر الحديث بل كانت موجودة عند أسلافنا.
العلم القديم يلتقي بالتكنولوجيا الحديثة في علم الأنسال
البحوث تعتمد على دمج ميداني فريد بين:
- علم الأحياء الجزيئي لتحليل الحمض النووي القديم.
- علم الوراثة الطبية لفهم تأثير الطفرات الجينية.
- الأنثروبولوجيا الفيزيائية لدراسة الهياكل العظمية وتفسيرها ضمن السياق البيئي والاجتماعي.
هذا التعاون بين تخصصات متعددة حول العالم، من فيينا إلى روما إلى لييج في بلجيكا، يضع مثالًا بارزًا عن كيف يمكن للعلم الحديث أن يضيء على حياة البشر عبر آلاف السنين.
تأملات في تراث الإنسانية ومكافحة الأمراض الوراثية اليوم
معززة بهذه الأدلة، يمكننا أن نتفهم أن الأمراض الجينية لم تتمثل دائمًا بالأدوات والتقنيات الحديثة فحسب، بل كانت تحديات يواجهها الإنسان منذ البداية.
فهم هذه الأمراض في جذورها التاريخية قد يساعد في تطوير مقاربات طبية وأبحاث علمية جديدة، كما يشجع على رؤية الإنسان القديم ككائن مترابط ومعقد، بسيطرة محدودة على مصيره، لكنه أمام مجتمع داعم ومتكاتف.
خاتمة
كشفت دراسة الحمض النووي القديم التي أجرتها فرق علمية متعددة الجنسيات، أن قصص البشر القدامى تضمنت أكثر من مجرد كفاح للبقاء، بل شملت تحديات صحية معقدة، ورعاية متبادلة في أوقات عسيرة.
اكتشاف حالة اضطراب نمو نادرة عاشت منذ 12,000 عام يوفر نافذة لا تقدر بثمن على التنوع البيولوجي والاجتماعي في المجتمعات الإنسانية الأولى، ويؤكد أن علم الأنسال والحياة القديمة لا يزال يحمل أسراراً كثيرة تنتظر أن تُروى.
🌍✨🧬📸








