تلسكوب هابل يرصد اللحظات الأخيرة لنجم شبيه بالشمس في مراحل الموت
لحظات غروب نجم شبيه بالشمس تلتقطها مرصد هابل الفضائي 🌍✨
ملخص المقال
في ظاهرة فلكية مذهلة، تمكن تلسكوب هابل الفضائي من التقاط مراحل متقدمة في حياة نجم من النوع الشمسي، وهو نجم يشابه شمسنا في كتله ومساره التطوري. توضح هذه المشاهد كيف تنتهي حياة النجوم متوسطة الكتلة، حيث تمر بمراحل تحول دراماتيكية تشمل التوسع والاحتراق والتخلص من أغلفتها الخارجية، لتتكون في نهاية المطاف سديم كوكبي (planetary nebula) ونجم قزم أبيض (white dwarf). تُبرز هذه الصور والتراصدات أهمية المرحلة التي تسبق تكون السديم الكوكبي والمعروفة باسم “السديم قبل الكوكبي” (preplanetary nebula)، والتي تعتبر مرحلة قصيرة وعابرة في تشكل النجوم وتحولها النهائي.
مراحل موت نجم شبيه بالشمس: رحلة في الكون 🧭
كل نجم له حياة وموعد محدد للنهاية، وتتوقف هذه النهاية على كتلة النجم الأصلية. بالنسبة للنجوم المتوسطة مثل الشمس، يوجد تسلسل واضح لمراحل التطور قبل النهاية:
- العملاق الأحمر (Red Giant): عندما ينفد الوقود من نواة النجم، يبدأ النجم في التمدد والانتفاخ ليصبح عملاقًا أحمر، حيث يستمر الاندماج النووي في قشرة خارجية من الهيليوم.
- المرحلة العملاقة المتوسطة (Asymptotic giant branch – AGB): في هذه المرحلة، يكون النجم قد استهلك معظم الهيليوم ويبدأ في إطلاق دفعات من المادة الخارجية بشكل دوري، مسببًا نبضات حرارية وظهور غلاف ضخم من الغاز والغبار حوله.
- السديم قبل الكوكبي (Preplanetary Nebula): هي المرحلة التي تلي AGB مباشرة، حين يبدأ النجم في التخلص من طبقاته الخارجية أكثر، لكنه لم يصل بعد لدرجة التسخين الكافية ليؤين مادته المحيطة، فتظهر الغازات كضوء منعكس وليس متأينًا.
- السديم الكوكبي (Planetary Nebula): في هذه المرحلة يتسارع تسخين النجم ويبث ضوءًا شديدًا يؤين المادة المحيطة، فيظهر السديم الكوكبي اللامع، ثم يختفي تدريجيًا بعد نحو عشرين ألف سنة.
- النجم القزم الأبيض (White Dwarf): النواة المتبقية من النجم تصبح نجمًا قزمًا أبيض يتوهج حتى يتلاشى ضوؤه تباعًا على مدى مليارات السنين.
صورة مشهورة للسديم قبل الكوكبي: سديم البيضة (Egg Nebula) في كوكبة العقاب 📸🎭
سديم البيضة هو أحد أكثر الأمثلة شهرة على السديم قبل الكوكبي، ويبعد عنا حوالي 3000 سنة ضوئية داخل مجرة درب التبانة. يتميز هذا السديم ببنية غنية ومعقدة من حلقات متراكمة وأشعة ضوء متجهة نحو الخارج تشبه مصابيح البحث (searchlight-like rays)، تنبع من النجم المركزي المتقلص.
-
التراكيب الفريدة:
- حلقات متناسقة تحيط بالنجمة تشير إلى طرد متقطع للغاز والغبار بفعل نبضات حرارية منتظمة.
- أشعة الضوء الثنائية التي تمر من خلال فراغات في الغبار تشبه أشعة الشمس التي تخترق الغيوم على الأرض.
- قرص غباري (dusty disk) يحيط بالنجم المركزي ويخلق هذه النفاذات الضوئية.
ورغم الاسم “سديم البيضة”، لا علاقة له بالكواكب أو أقراص التكوين الكوكبية، بل هو مرحل مابين الموت الكامل للنجم وكونه سديمًا كوكبيًا.
ما الذي تكشفه صور هابل عن الموت النجمي؟ 🌌✨
تعتبر مرحلة السديم قبل الكوكبي قصيرة نسبيًا، لذلك فالصورة الملتقطة لنجم مثل V1610 Cygni في سديم البيضة تقدم نافذة نادرة على كيف تبدأ هذه العملية المعقدة.
تابع العلماء هذه النجمة عبر حوالي 30 سنة، ولاحظوا:
- تغيّرات طفيفة في السطوع البصري تعود إلى تغيرات في توزيع الغبار.
- ارتفاعًا تدريجيًا في السطوع منذ منتصف التسعينيات، ما يتوافق مع تقلص النجم وارتفاع حرارته الداخلية.
هذه السلوكيات مطابقة للنموذج الفيزيائي للنجم أثناء دخوله في مرحلة ما بعد العملاق المتوسط (post-AGB phase).
ماذا يعني هذا ليوم الشمس؟ وفرق النجم المنفرد والنجم الثنائي 🌍
على الرغم من أن سديم البيضة يوفر نموذجًا مدهشًا، إلا أنه ليس تمثيلًا دقيقًا لما ستبدو عليه شمسنا عند موتها. السبب الرئيسي يعود إلى أن معظم السمات البارزة في سديم البيضة تشير إلى وجود نجم ثانوي مرافق (binary companion)، يعمل بشكل كبير على تشكيل البنية المعقدة للغاز والغبار.
- النجوم الثنائيات تخلق حلقات متناسقة وهياكل ثنائية القطب (bipolar structures) وظواهر ضوئية فريدة.
- علاوة على ذلك، قرص الغبار الدائري مع النوافذ الضوئية لا يظهر عادة في النجوم المنفردة.
ولأن الشمس نجم وحيد، فمن المتوقع أن يكون سديمها الكوكبي المقبل أكثر توازنًا وشكلاً كرويًا، وأقل تعقيدًا من سديم البيضة.
تلسكوب هابل: نافذة مميزة على الكون المتغير 🌠
يتمتع تلسكوب هابل الفضائي بقدرات نادرة تفوق تلك التي تمتلكها المراصد الأرضية بسبب عدة أسباب:
- موقعه في الفضاء الخارجي، بعيدًا عن تأثير الغلاف الجوي الذي يشتت أو يمتص الضوء.
- قدرته على رصد مجموعة واسعة من الأطوال الموجية، من الأشعة فوق البنفسجية إلى الأشعة تحت الحمراء.
- دقة عالية في الرؤية تمكنه من تصوير هياكل معقدة ودقيقة في أبعد وأحدث الظواهر الكونية.
هذا ما سمح للعلماء بالحصول على صور ثلاثية الأبعاد للسديمات قبل الكوكبية مثل سديم البيضة، وفتح نافذة لفهم المراحل الأخيرة من حياة النجوم بطريقة غير مسبوقة.
دروس كونية: كيف نتعلم من موت النجوم؟ 🧭🌍
علمنا من دراسة النجوم أنه لا شيء يبقى مضيئًا إلى الأبد. كل نجم يحترق ويستهلك وقوده، وعندما ينضب هذا الوقود يمر بمرحلة موت تتحول فيها الطاقات والكتل إلى مواد مختلفة ثم تختفي في النهاية.
بالنسبة للنجوم شبيهة بالشمس، هذا مسار حياتها:
- تحترق الهيدروجين،
- تنتقل إلى اندماج الهيليوم،
- ثم تتوسع إلى عمالقة حمراء وعملاقة متوسطة،
- ثم تبدأ بطرد الطبقات الخارجية لتشكيل سديم قبل كوكبي،
- وبعدها سديم كوكبي لامع،
- وفي النهاية نجم قزم أبيض بارد ومظلم بعد مليارات السنين.
التقنيات الحديثة مثل الرصد الفضائي تساعدنا على ملاحظة هذه المراحل وتقديم صورة أدق لمسار حياة النجوم ومستقبل شمسنا وفهم أعمق لتكاثر وتطور المادة في الكون.
خلاصة وأفق المستقبل الفضائي
تمثل صور هابل لمرحلة الموت الأخيرة لنجم شبيه بالشمس، وتحديدًا مرحلة السديم قبل الكوكبي مثل نديم البيضة، شهادة على دقة وتطور علم الفلك وتكنولوجيا المراصد الفضائية. رغم أوجه الشبه مع شمسنا، إلا أن كل نجم يحمل سماته الخاصة التي تحدد شكل ومحتوى نهايته.
هذه الرصدات تقدم لنا فرصة لرؤية مصير الشمس والنجوم المتوسطة، ولكنها تذكير أيضًا بأن الفضاء مليء بالتنوع والتعقيد، وأن تجربة كل نجم فريدة ومتعددة الأبعاد. سيظل هابل وأبرز المختبرات الفضائية الأخرى تبحر بنا نحو آفاق جديدة من الفهم حول الكون وسيرورة الحياة والموت فيه، مع كل صورة تلتقطها وكل ظاهرة تفسرها.
في النهاية، إن مراقبة لحظات غروب النجوم الشبيهة بالشمس هو رحلة عبر الزمن والمكان، تحمل في طياتها مشاهد من حياة الكون التي لا تتوقف عن الاشتعال والتغير. 🌟