زلزال ميانمار 2025: درس في سلوك الصفائح التكتونية
الزلزال النادر في ميانمار: فرصة لمراقبة سلوك الصفائح التكتونية
في 28 مارس 2025، شهدت ميانمار زلزالًا قويًا يعد فرصة فريدة للعلماء لدراسة سلوك بعض أكثر الأنظمة الكسرية خطورة على كوكب الأرض. هذا الحدث الزلزالي لم يكن مجرد كسر عشوائي للصفائح، بل وقع على كسر مستقيم وجيولوجي “ناضج”، مما خلق ظروفًا مثالية لدراسة كيفية إطلاق الطاقة خلال انكسار قاري كبير. يعتبر هذا البحث مهمًا وتعليميًا، حيث يمكن أن يساعد العلماء في فهم الديناميكية الزلزالية بشكل أفضل، كما يسلط الضوء على أهمية سلوك الصفائح التكتونية في المناطق النشطة زلزاليًا.
دراسة الآلية الزلزالية
قام فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة نيو مكسيكو بدراسة آلية الزلزال الذي وقع في ميانمار، مركِّزين على ظاهرة مثيرة للجدل تُعرف باسم “العجز السطحي السطحي”. عادةً، يظهر أن الحركة السطحية خلال الزلازل أقل بكثير من الحركة العميقة التي تحدث تحت الأرض. هذا الفجوة أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت بعض الطاقة تمتصها الصخور المجاورة أو تبقى مخفية ولم تُكتشف.
تضمن البحث دراسة الزلزال بهدف تحديد كيفية انتقال الطاقة على كسر قديم نسبيًا وكيفية تحويل الحركة العميقة إلى الحركة السطحية. تم نشر الدراسة في المجلة العلمية “Nature Communications”، حيث قادها الأستاذ المساعد إريك ليندسي من جامعة نيو مكسيكو، بالتعاون مع باحثين من تايوان وميانمار.
المراقبة من الفضاء
نظرًا لأن ميانمار تعاني من نزاع مسلح أثر على البنية التحتية بالبلاد، لم يتمكن الباحثون من إجراء تحقيقات ميدانية تقليدية. بدلاً من ذلك، اتجهوا إلى الملاحظات المستندة إلى الأقمار الصناعية لجمع البيانات اللازمة للتحليل. استخدموا تقنيتي “Optical Image Correlation” و “Interferometric Synthetic Aperture Radar (InSAR)”، وهي تقنيات متقدمة يمكن أن تكشف التغيرات الدقيقة في سطح الأرض من الفضاء. من خلال مقارنة الصور الملتقطة قبل وبعد الزلزال، تمكن فريق البحث من قياس التغيرات بدقة غير مسبوقة.
الفهم العميق للحركات الأرضية
تتمثل قوة InSAR في قدرته على كشف التغيرات الصغيرة في ارتفاع الأرض أو موقعها. وتعمل مثل لعبة “ابحث عن الاختلاف”، حيث يمكن للأقمار الصناعية إرسال موجات رادارية تُرجع إشاراتها من الأرض. وتمكن الباحثون من رسم خريطة دقيقة للأثر الذي تركه الزلزال على المنطقة.
انكسار يمتد على 500 كيلومتر
امتد الانكسار الناتج عن الزلزال في ميانمار لحوالي 500 كيلومتر، وهو ما يساوي تقريبًا كسر يمتد من ألبوكيركي إلى دينفر. وعادةً ما تستند معظم الزلازل التي تُدرس إلى مقاطع كسرية أقصر بكثير تتراوح بين 30 إلى 60 ميلاً. إن رؤية انكسار طويل ومستمر كهذا يعد حدثًا نادرًا وله دلالات علمية كبيرة.
نظام كسر يشبه سان أندرياس
وقع الزلزال على كسر ساجاينج، وهو كسر انزلاقي حيث تتحرك جوانب الكسر أفقيًا. ويشبه هذا الكسر إلى حد كبير كسر سان أندرياس في كاليفورنيا. بمرور الزمن، تم تشكيل الكسر بحيث يسمح بانتقال الطاقة الزلزالية مع مقاومة قليلة، مما يزيد من شدة الزلازل في المناطق المجاورة.
تحليل الطاقة السطحية
على عكس العديد من الزلازل السابقة، وجد الباحثون أنه في زلزال ميانمار لم يكن هناك عجز في الحركة السطحية. هذه الحركة الكبيرة على عمق الأرض تحولت بالكامل إلى السطح، مما يشير إلى أن الطاقة كانت مركزة ومباشرة إلى الأسطح المحيطة. هذا الاكتشاف له تداعيات كبيرة على كيفية توقع الحركة الزلزالية في المناطق ذات الكسور الناضجة.
تأثير الزلزال على توصيل كسر متعددة
أظهرت الأبحاث أيضًا أن الانكسار كان قادرًا على ربط عدة مقاطع من الكسر في حدث مستمر بطول 500 كيلومتر. هذا يشير إلى نمط تاريخي لم يسبق رؤيته في العديد من الزلازل السابقة. إن الفهم الأفضل لكيفية حركة الطاقة خلال الحوادث الزلزالية يمكن أن يساعد العلماء في تقدير المخاطر المستقبلية.
أهمية العلم القائم على الأقمار الصناعية
تؤكد هذه الدراسة على القوة المتزايدة للمراقبة المستندة إلى الأقمار الصناعية. حتى في المناطق التي تعاني من النزاعات، تمكن الباحثون من إجراء واحدة من أدق تحليلات الديناميكية الزلزالية حتى الآن، مما يؤكد أهمية التعاون العلمي العالمي والوصول المفتوح إلى البيانات. وفي النهاية، تبرز الدراسة أهمية سلامة البنية التحتية، حيث توضح كيف يمكن أن تكون الكسور الناضجة أكثر كفاءة في نقل الطاقة إلى السطح.
تطبيقات المستقبل
لكي نفهم تأثير هذه النتائج، من المهم أن ندرك كيف يمكن تطبيق الأساليب الحديثة لمراقبة النشاط الزلزالي في أماكن أخرى، بما في ذلك مناطق مثل نيو مكسيكو، التي تعاني من نظام كسر مختلف يعرف باسم “Rio Grande Rift”. يمكن استخدام تقنيات المراقبة عن بُعد لتتبع حركة الأرض في هذه المناطق وتحسين خطط الاستجابة لحالات الطوارئ.
الخاتمة
يعتبر زلزال ميانمار في عام 2025 فرصة نادرة للعلماء. من خلال الدراسة المتعمقة واستخدام التقنيات الحديثة، تمكّن الباحثون من الحصول على رؤى هامة حول سلوك الصفائح التكتونية، مما يساهم في تعزيز الفهم العام للديناميكية الزلزالية. هذه المعرفة لا تساعد فقط في تحسين نماذج التنبؤ بالزلازل، بل تسهم أيضًا في تعزيز سلامة البنية التحتية، وهو ما يعد أمرًا بالغ الأهمية في عالم يتعرض باستمرار لجوانب من آثار التغيرات البيئية والتكتونية.