www.mohdbali.com
mohd bali محمد بالي

لماذا يستمر بعض الأشخاص في اتخاذ نفس القرارات السيئة: تحليل علمي لمسببات السلوك المتكرر الخاطئ

لماذا يستمر بعض الأشخاص في اتخاذ نفس القرارات الخاطئة؟

في حياة الإنسان، تتكرر أمامنا مواقف متعددة تتطلب اتخاذ قرارات مختلفة، بعضها يحمل تأثيرًا كبيرًا على مستقبلنا الصحي، المهني، والاجتماعي. وعلى الرغم من الوعي بنتائج هذه القرارات، إلا أن كثيرين يستمرون في اتخاذ نفس الأخطاء أو bad decisions مرارًا وتكرارًا، مما يثير تساؤلات مهمة حول الأسباب النفسية والعقلية الكامنة وراء هذا السلوك. في هذا المقال، نستعرض الأسباب العلمية والنفسية التي تجعل بعض الأشخاص يقعون في فخ تكرار قرارات سيئة، ونناقش كيف يمكن فهم آليات الدماغ والسلوك لتجنب هذا النمط السلبي.


مقدمة: ما هي طبيعة القرار السيء ولماذا يكرر البعض أخطاءهم؟

القرار السيء هو قرار يترتب عليه نتائج سلبية على المدى القصير أو البعيد، وقد يكون مرتبطًا بالصحة (مثل التدخين أو سوء التغذية)، أو العلاقات الاجتماعية، أو جوانب مهنية. لكن السؤال الأبرز هو: لماذا يقوم البعض بتكرار هذه القرارات على الرغم من معرفتهم بأنها تؤذيهم؟ توضح الأبحاث في مجالات علم النفس العصبي (Neuroscience) والسلوك البشري أن عوامل متعددة، بما في ذلك cognitive biases والآليات العصبية، تلعب دورًا في هذا الأمر.


العوامل النفسية وراء تكرار اتخاذ القرارات السيئة

1. تأثير العادات (Habits) والدماغ العاطفي

العادات النفسية هي واحدة من أكبر المسببات التي تجعل الأفراد يكررون نفس القرارات. تقوم العادات على آليات تعلم في الدماغ تسمى habit loops، حيث يكون هناك محفز (Trigger) يتبعه سلوك معين (Behavior) ومن ثم مكافأة (Reward). مع مرور الوقت، يصبح الدماغ معتادًا على هذه الأنماط ويبدأ بتنفيذها بشكل تلقائي، مما يصعّب تغييرها.

الدماغ العاطفي (Emotional brain) يعزز من استمرارية هذه العادات، حيث أن المشاعر مثل القلق أو الحزن تدفع الإنسان للبحث عن الراحة السريعة، مثلاً إشعال سجائر أو تناول أطعمة غير صحية، مما يغذي دورة القرارات السيئة.

2. التأثير المعرفي والتحيزات الذهنية (Cognitive Biases)

الإنسان يتأثر بعدة تحيزات ذهنية تؤثر على قراراته بشكل كبير، منها:

  • Confirmation Bias: حيث يميل الفرد للتركيز على المعلومات التي تؤكد معتقداته السابقة وتتجاهل المعاكسة.
  • Optimism Bias: يجعل الشخص يعتقد أن الأمور ستكون أفضل مما هي عليه فعليًا.
  • Loss Aversion: حيث يخشى الفقدان أكثر من تحفيزه للمكاسب، مما يحول دون اتخاذ القرارات الصحيحة أحيانًا.

هذه التحيزات تجعل الأشخاص يعيدون نفس الأخطاء بسبب نظرتهم المتحيزة والمتحفظة، مما يعيق تعلّمهم من نتائج قراراتهم.

3. ضعف مهارات التفكير النقدي (Critical Thinking) والوعي الذاتي (Self-awareness)

تحتاج عملية اتخاذ القرار الجيد إلى قدرة عالية على التحليل والتقييم المنطقي للموقف، وهذا ما تفتقر إليه بعض الأفراد خاصة عند التوتر أو الضغط النفسي. ضعف مهارات critical thinking تجعلهم يتجاهلون العواقب أو لا يحسبونها بشكل موضوعي. كما أن عدم وجود وعي ذاتي كافٍ يحد من قدرة الشخص على إدراك أن تصرفاته تكررت سابقًا وكانت ضارة.


الآليات العصبية المرتبطة بتكرار القرارات السيئة

تشير أبحاث علم الأعصاب إلى أن مناطق عدة في الدماغ مسؤولة عن اتخاذ القرار والتحكم في السلوك، منها:

  • القشرة الأمامية للدماغ (Prefrontal Cortex): المسؤولة عن التخطيط والتنظيم واتخاذ القرارات الواعية.
  • اللوزة الدماغية (Amygdala): ترتبط بالأحاسيس العاطفية وردود الفعل السريعة.
  • العقد القاعدية (Basal Ganglia): تلعب دورًا في تكوين العادات والتعلم.

في حالات التوتر أو القلق، قد ينخفض نشاط القشرة الأمامية، في حين يزيد نشاط اللوزة والعقد القاعدية، مما يقود إلى قرارات تلقائية مدفوعة بالعاطفة والعادات، بدلاً من التفكير العقلاني.


الأسباب الاجتماعية والسياقية

لا تقتصر أسباب تكرار القرارات السيئة فقط على الفرد، بل يمتد الأمر إلى المحيط والبيئة. فالعوامل الاجتماعية مثل ضغط الأقران، الثقافة المحيطة، والوضع الاقتصادي تؤثر بشكل كبير.

على سبيل المثال، في بيئة عمل تتطلب سرعة اتخاذ قرارات تحت ضغط، قد يتسرع الفرد في اتخاذ قرارات خاطئة دون مراجعة كافية. كذلك العلاقات الاجتماعية السامة تشجع على أنماط سلوكية ضارة. هنا تلعب مفاهيم مثل social influence وenvironmental factors دورًا مهمًا.


كيف يمكن كسر دائرة اتخاذ نفس القرارات السيئة؟

1. زيادة الوعي الذاتي Mindfulness

الوعي الذاتي أو mindfulness هو مفتاح لتغيير السلوك. من خلال التدريب المستمر على مراقبة الأفكار والمشاعر بدون إصدار أحكام، يمكن السيطرة على ردود الفعل العاطفية وتحسين اتخاذ القرار.

2. استخدام تقنيات التعديل السلوكي Behavioral Modification

تعتمد هذه التقنيات على تغيير العادات والتصرفات من خلال:

  • تحديد المحفزات (Triggers) المرتبطة بالسلوك السيء.
  • وضع استراتيجيات بديلة للسلوك (Replacement behaviors).
  • مكافأة السلوكيات الجديدة الإيجابية.

3. تعزيز مهارات التفكير النقدي والتعليم Decision-Making Skills

تعليم فردي أو جماعي يهدف لتعزيز القدرة على تحليل المعلومات وتقييم الخيارات والمنطق يساعد في تقليل التكرار الضار للأخطاء. استخدام نماذج decision-making frameworks مثل SWOT analysis يمكن أن يكون فعالًا.

4. التعامل مع الضغوط النفسية Stress Management

الإجهاد والقلق يعتبران من أهم المحفزات الفورية لاتخاذ قرارات خاطئة. تقنيات الاسترخاء، والتمارين الرياضية، والعلاج النفسي تساعد في ضبط مستويات التوتر والانفعالات.


خلاصة

تكرار اتخاذ نفس القرارات السيئة هو نتيجة تداخل معقد بين عوامل نفسية، عصبية، واجتماعية. فهم هذه العوامل يعطينا نافذة مهمة لتحسين جودة قراراتنا وتقليل السلوكيات الضارة. التغيير ممكن من خلال بناء وعينا الذاتي، تحسين مهارات اتخاذ القرار، وفهم آليات عمل الدماغ. بهذا نفتح طريقًا أكثر صحة وإيجابية في حياتنا الشخصية والمهنية.


في زمن تتسارع فيه الحياة وتتزايد الضغوط، يصبح على كل فرد أن يعي تأثير العوامل النفسية والعصبية على سلوكياته، وأن يسعى لاستخدام effective decision-making strategies، لتجنب خداع العادات الذهنية والوقوع في فخ اتّباع نفس القرارات الخاطئة التي تضر بصحته النفسية والجسدية والمهنية.

اعلانات