www.mohdbali.com
mohd bali محمد بالي

كيف يناقش العلم والفلسفة وجود الشيء؟

لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟ سؤال في أصل الوجود والكون

مقدمة

من أقدم وأعمق الأسئلة التي حيّرت العقل البشري وأسَّست لحقول التفكير العلمي والفلسفي هو سؤال “لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟” (Why does something exist instead of nothing?). هذا السؤال يلامس جوهر الوجود ويفتح الباب للتأمل في أصل الكون، والوجود الفيزيائي، والمعنى الكوني. رغم التقدّم الهائل في مجالات cosmology وquantum physics وphilosophy، إلا أن هذا السؤال لا يزال من أصعب الأسئلة التي يطرحها الإنسان، بل ويُعتبر إلى حد ما خارج نطاق الإجابة العلمية البحتة. في هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على هذا السؤال، ونستعرض أهم التفسيرات العلمية والفلسفية التي حاولت تقريب الإجابة، ونلقي نظرة على حدود العلم في التعامل مع موضوع الوجود ذاته.

مفهوم “الشيء” و”اللا شيء”

أول خطوة نحو فهم السؤال هي التمييز بين “الشيء” و”اللا شيء”. في العلوم الفيزيائية، لا يمكن اعتبار “اللا شيء” على أنه فراغ تام، لأن الفراغ (vacuum) ذاته ليس خالياً تماماً. وفقًا لميكانيكا الكم، الفراغ هو حالة تحتوي على quantum fields (حقول كمومية) ذات طاقة صفرية (zero-point energy) لا يمكن التخلص منها. هذه الطاقات وvirtual particles (الجسيمات الافتراضية) تظهر وتختفي باستمرار حتى في أعمق “الفراغ” المتاح.

بالتالي، “اللا شيء” بمعنى غياب كل شيء تمامًا، بما في ذلك القوانين والطاقات والزمان والمكان، هو حالة يصعب تصورها في إطار الفيزياء، وربما تكون محض مفهوم فلسفي أو حتى لا تمتلك وجودًا ماديًا أو تجريبيًا حقيقيًا.

كيف نشأت الوجود: من الثقوب الكمومية إلى الانفجار العظيم

في ضوء الفيزياء الحديثة، هناك فرضيات تشرح كيف ظهر الكون وبدأت المادة والطاقة في الوجود، لكنها لا تجيب بشكل قطعي على “لماذا” الوجود قائم من الأساس. على سبيل المثال:

  • الفيزياء الكمومية تشير إلى أنّ الفضاء -حتى في حالته الفارغة- يزخر بـ quantum fluctuations (تقلبات كمومية) تولد جسيمات مؤقتة. بعض النظريات القائلة بـquantum vacuum state تمنح الكون بداية محتملة عبر هذه التقلبات.
  • أحد الاحتمالات هي أن الكون بدأ كـ”بيغ بانغ” (Big Bang)، انطلاقًا من حالة ذات كثافة وطاقة عالية جدًا، ثم توسع وبدأ تفاعلات الذرات وتشكيل elements الكيميائية وتكوين النجوم والمجرات.
  • مرحلة cosmic inflation (التضخم الكوني) التي تسبق مباشرة البيغ بانغ تبيّن كيف تمدد الكون بسرعة هائلة في أجزاء من الثانية الأولى.

كل هذه المعارف تعطي تفسيرًا لكيف نشأ الكون، ولكن لا تزال تطرح سؤالًا: لماذا حدث هذا الكون وليس لا شيء؟

حدود العلم في الإجابة عن سؤال “لماذا”

العلوم الدقيقة مثل الفيزياء الفلكية وparticle physics تتعامل بشكل أساسي مع أسئلة “كيف” وليس “لماذا”. مثلا:

  • يمكننا دراسة قوانين الفيزياء ووصف كيفية تطور المادة والطاقة من بداية الكون وحتى الآن.
  • يمكننا تعديل نظرياتنا ومحاكاة سيناريوهات مختلفة لولادة الكون بناءً على initial conditions (الشروط الابتدائية) المختلفة.

لكن “لماذا” تعبر عن سؤال وجودي أكثر فلسفية، يتطلب معنى للسبب أو الغاية، وهو ما تتجاوز أدوات العلم القائم على المراقبة والاختبار الميداني.

النظريات الفلسفية والتأملية

في الفلسفة، ثمة عدة ردود على سؤال “لماذا شيء بدلًا من لا شيء؟”

  • المذهب الميتافيزيقي يرى أن وجود الكون هو حقيقة مجردة ولا يمكن تفسير “علاً” وراءها، بل الوجود هو ببساطة موجود، ولا مبرر لعدم وجوده.
  • فكرة الضرورة الوجودية (necessary existence) تفترض أن الوجود شيء لا يمكن أن يكون غير موجود بالأصل، وبالتالي “اللا شيء” هو حالة منطقياً أو واقعياً مستحيلة.
  • تناقضات الفكر الفلسفي لم تصل إلى إجابة متفق عليها، لأن “اللا شيء” كحالة قد تكون غير قابلة للتحقق أو الإدراك البشري.

الكون المتعدد وإمكانية وجود بدائل

أحد المفاهيم المطروحة في الفيزياء النظرية هي نظرية multiverse (الكون المتعدد)، حيث توجد أكوان متعددة، كل منها يمتلك قوانينه وظروفه الخاصة. في بعض هذه الأكوان:

  • قد يتمتع الوجود بقوانين تختلف عن قوانيننا، وقد لا تنشأ الحياة أو المادة بنفس الشكل.
  • من هذا المنظور، هناك احتمال أن وجود شيء بدلًا من لا شيء هو شرط لا بد منه في أي كون يضم ملاحظين مثلنا أو كائنات واعية.

ومع ذلك، حتى هذه النظريات لا تعالج أصل وجود المادة والقوانين التي تسمح لشيء ما بالتصرف أو الظهور.

استنتاجات معاصرة عن السؤال

بحسب أحدث أبحاث الفيزياء والفلسفة:

  • الوجود المادي من المادة والطاقة والقوانين ليس contingent (عشوائيًا أو عرضيًا بالكامل) بل هو نتاج قوانين فيزيائية أساسية، لا تزال غير مفهومة بالكامل.
  • المصطلحات مثل quantum field theory وzero-point energy تقدم أدلة علمية أن حالة “اللا شيء” التي لا تحتوي على حقول أو قوانين هي غير واقعية أو غير متاحة.
  • للأسف، لا يزال السؤال “لماذا هناك شيء بدلًا من لا شيء؟” يتجاوز الطيف العلمي القابل للاختبار، ويقع في حقل الميتافيزيقا والتأملات الفلسفية.

الخلاصة: رحلة استكشاف بلا نهاية

سؤال “لماذا” الوجود قائم بدلًا من اللاوجود يمثل نقطة التقاء العلم والفلسفة والدين. ما نعرفه اليوم من خلال أدوات مثل big bang cosmology وquantum mechanics هو كيف تطور الكون، لكن أسباب الوجود نفسها تظل غامضة.

ربما يكون سبب وجود “شيء” بدلًا من “لا شيء” أبعد من حدود المعرفة العلمية، وكل محاولة للتفكير في هذا السؤال تزيد إدراكنا بعظمة وغموض الكون. في نهاية المطاف، إن الاجتهاد في فهم هذا السؤال يدفع البشرية للاستمرار في البحث عن الحقيقة، ويتطلب منا تواضعًا في مواجهة المجهول واعتمادًا على العلم كأفضل أداة لفهم “كيف” لا “لماذا” الكون موجود، بانتظار هذه الإجابة التي قد تظل خارج متناول يد الحضارة البشرية رغم تقدم المعرفة.


في هذا المقال استندنا إلى العلوم الفلكية، الفيزياء الكمومية، فلسفة الوجود، ووصلنا إلى أن السؤال ما زال من أعظم الأسئلة التي تركتها البشرية معلقة، لكنها تستمر في التحليق في فضاء المعرفة، بين Quantum Fields وBig Bang، بين فلسفة Being وNothingness، دون أن تتوصل إلى جواب قاطع.

اعلانات