كيف تتكوّن النجوم رغم تمدد الكون؟ شرح كمي مبسّط بدون معادلات
مقدمة – كيف تتكوّن النجوم
مقالات الموقع — حين نفكر في تكوّن النجوم، تبدو الفكرة بديهية: غاز منتشر + جاذبية + وقت طويل… فتولد النجوم. لكن عند إدخال حقيقة أساسية—وهي أن الكون يتمدد منذ بدايته—قد يظهر سؤال مُحيّر: إذا كانت المادة “تبتعد” عن بعضها مع التمدد، فكيف يمكن للجاذبية أن تجمعها أصلًا لتصنع نجمًا؟ وكيف يحدث ذلك في كون كثافته المتوسطة اليوم منخفضة جدًا؟
هذا السؤال ليس فلسفيًا فقط؛ بل هو سؤال “كمي”: هل تسمح الأرقام فعلًا بتكوّن النجوم؟ والجواب: نعم، والسبب يكمن في أن الكون ليس متجانسًا تمامًا، وأن الجاذبية تتفوّق على التمدد داخل مناطق معيّنة وعلى مقاييس معيّنة.
أولًا: الكون متشابه جدًا على المقاييس الكبرى… لكنه غير متشابه على المقاييس الأصغر
على مقاييس هائلة جدًا (مليارات السنين الضوئية)، يبدو الكون “ناعمًا” ومتقارب الكثافة في كل مكان تقريبًا. الفروق بين منطقة وأخرى تكون صغيرة للغاية—تقريبًا أجزاء من عشرات الآلاف من المتوسط.
لكن على المقاييس الأصغر (داخل “أفق” الكون في تلك الأزمنة)، كانت هناك فروق صغيرة في الكثافة منذ البداية:
-
مناطق أكثر كثافة قليلًا من المتوسط (تسمى “زيادات كثافة/overdensities”).
-
ومناطق أقل كثافة قليلًا من المتوسط (underdensities).
هذه الفروق الصغيرة هي بذور كل شيء: المجرات والعناقيد والنجوم… إلخ.
ثانيًا: من أين جاءت بذور “اختلاف الكثافة”؟
الفكرة الأساسية في المقال أن الفروق الأولية في الكثافة لم تأتِ لأن الكون بدأ “كتلًا” متفرقة، بل لأن هناك تقلبات كمّية في طاقة الحقول وفي طاقة الفضاء نفسه في المراحل المبكرة جدًا.
وعندما مرّ الكون بفترة تمدد هائل (يُشار إليها عادةً بالتضخم الكوني)، تمددت هذه التقلبات الصغيرة وأصبحت “بصمة” ممتدة على مقاييس كونية كبيرة.
بعد ذلك، تحولت طاقة تلك المرحلة إلى مادة وإشعاع، وبدأ الكون الساخن (الانفجار العظيم الساخن).
ثالثًا: لماذا لا يمنع التمدد تكوّن النجوم؟
الفكرة المحورية: التمدد يعمل على “تفريق” المتوسط العام، لكنه لا يمنع الجاذبية محليًا.
والحكم هنا يعتمد على “الحجم” أو “المقياس”:
-
على المقاييس الضخمة جدًا: التمدد ينتصر، ولا تملك الجاذبية وقتًا كافيًا لتجميع المادة، خصوصًا عندما تهيمن الطاقة المظلمة في الأزمنة المتأخرة.
-
على المقاييس الصغيرة والمتوسطة: إذا كانت منطقة ما أكثر كثافة قليلًا من محيطها، فإنها تبدأ—ببطء—في جذب المزيد من المادة نحوها، ومع مرور الزمن يصبح الفرق أكبر، ثم يتحول النمو إلى “انهيار” بنيوي يؤدي إلى تكوين الهياكل والنجوم.
بعبارة بسيطة: الكون يتوسع، لكن داخل “الكتل المناسبة” يمكن للجاذبية أن تبني بدل أن تهدم.
رابعًا: لماذا كان الأمر أصعب في الكون المبكر جدًا؟
في بدايات الكون كان الإشعاع (الضوء/الفوتونات) مهمًا جدًا مقارنة بالمادة.
وجود الإشعاع بهذه القوة يعني أنه:
-
يسخّن المادة
-
ويقاوم انضغاطها
-
ويبطّئ نمو التكتلات في فترات مبكرة
لكن مع تمدد الكون، كثافة الإشعاع تنخفض أسرع من كثافة المادة.
ومع الوقت تصبح المادة “أهم” نسبيًا، ويصبح نمو التكتلات أسهل وأسرع.
خامسًا: إشعاع الخلفية الكونية الميكروي… دليل مبكر على بذور البنية
هناك إشارة عظيمة تدعم هذا السيناريو: خريطة تقلبات إشعاع الخلفية الكونية (CMB).
المهم هنا: ما نراه في خرائط CMB ليس اختلافًا كبيرًا في حرارة الكون، بل اختلافات صغيرة جدًا مرتبطة بكون بعض المناطق كانت:
-
أعمق قليلًا في “آبار جاذبية” (فتبدو أبرد قليلًا لأن الضوء فقد طاقة أكثر وهو يخرج)
-
أو أقل عمقًا (فتبدو أدفأ قليلًا)
وهذه الاختلافات الحرارية الصغيرة تعكس اختلافات الكثافة الصغيرة التي كانت موجودة بالفعل.
سادسًا: متى “يتحوّل” نمو التكتلات إلى انهيار وتكوين نجوم؟
في البداية، تكون الزيادة في الكثافة صغيرة جدًا، فتخضع لما يسمى بالنمو “الخطي”: نمو بطيء يمكن وصفه تقريبيًا.
لكن عندما تتضخم الزيادة بمرور الوقت وتصبح كبيرة بما يكفي، ينتقل الكون في هذه المناطق إلى النمو “غير الخطي”، حيث:
-
تزداد الجاذبية فاعلية بسرعة
-
يبدأ الانهيار المحلي
-
تتشكل هياكل مرتبطة جاذبيًا (هالات مادة مظلمة، سحب غاز…)
-
ثم يبرد الغاز ويتجزأ وينهار إلى نوى كثيفة
-
فتشتعل النجوم الأولى
المقال يشير إلى أن الزمن اللازم لتكوين النجوم الأولى يقع عادة في نطاق عشرات إلى مئات ملايين السنين بعد البداية، تبعًا لحجم التكتلات الأولية وظروفها.
سابعًا: سباق بين قوتين
يمكن تلخيص القصة كلها على أنها “سباق” بين:
-
التمدد الكوني الذي يخفّض الكثافة العامة ويدفع الأشياء بعيدًا
-
الجاذبية التي تحاول جمع المادة داخل مناطق أعلى كثافة
والنتيجة ليست واحدة في كل مكان:
-
على مقاييس كبيرة جدًا: لا تتشكل بنى جديدة إلى الأبد (خصوصًا مع سيطرة الطاقة المظلمة).
-
على المقاييس المناسبة: تتشكل بنى مرتبطة جاذبيًا، ثم غاز، ثم نجوم، ثم مجرات.
ولهذا السبب لدينا كون مليء بالنجوم والمجرات، رغم أن المتوسط العام للكثافة اليوم ضعيف جدًا.
الخاتمة
تكوّن النجوم لم يحدث “رغم” تمدد الكون، بل حدث لأن الكون حمل منذ بدايته فروقًا صغيرة في الكثافة، ثم سمح الزمن والجاذبية—على المقاييس المناسبة—بتضخيمها تدريجيًا حتى وصلت إلى مرحلة الانهيار وتكوين الهياكل والنجوم.
إنه نظام دقيق: قليل من عدم التجانس في البداية + تمدد يغيّر ميزان المادة والإشعاع + جاذبية تعمل محليًا… ليظهر في النهاية كل هذا الجمال الكوني الذي نراه.








